محمد أبو زهرة

55

المعجزة الكبرى القرآن

لأنهم يعرفون مقام ما يسمعون من كلام رب العالمين ، استطاعوا أن يجحدوا الحق وقد عرفوه ، ولم يستطيعوا أن ينزلوا بمقامهم من الإدراك البياني فيفندوا بيانهم وذوقهم الكلامي ، وإن ارتضوا أن يفسدوا عقائدهم ، ويكابروا في دينهم ، ويكذبوا رسالة ربهم . وقد يقول قائل : إن التاريخ الإسلامي لم يرو غير الذين صدقوا وآمنوا فحذفوا ما كانت فيه معارضة للقرآن الكريم ، وذلك كلام قيل من الأفاكين ، ويرده أمران : أولهما - أنه ما كان يمكن أن يعم الإيمان ، وثمة معارضون للقرآن في جد لا لهو فيه ، ولا عبث . ثانيهما - أن أعداء الإسلام كانوا في كل زمان منذ ظهر محمد إلى أن قبضه اللّه تعالى ، ودخل الناس في دين اللّه تعالى أفواجا أفواجا ، فالزنادقة كانوا منبثين في مشارق الأرض ومغاربها ، لا يألون المسلمين وبالا ، وكانوا أعداء الإسلام في أوساط المسلمين وبين ظهرانيهم فبثوا الأفكار المنحرفة ، والأقوال الهادمة ، والمذاهب المخربة ، وأولئك ما كانوا ليستروا الكلام الذي عورض به القرآن ، إذ يرون فيه هدم الأصل ، وأقصى ما استطاع أولئك الزنادقة أن يفعلوه هو أن يدعوا أن عبد اللّه بن المقفع « 1 » اتجه إلى أن يكتب كتابا يعارض به القرآن ، وهو إن صح كلامهم فيه يدل على أنه نوى ولم يفعل ، ولو فعل لنظرنا إلى ما أتى به . وإننا نشك في أصل صحته ، ولكنهم يريدون أن يثيروا الغبار ، والغبار قد يغشى الأعين المريضة ، وإن كان قد أراد هذا فهو دليل على حمقه ، ويثبت زندقته التي اتهم بها ، وأنه أشاع ذلك توهينا ، وإن علم أن المحاولة فوق طاقة البشر . سر الإعجاز 32 - عجز العرب عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ثابت ثبوتا لا مجال للريب فيه ، لا يرتاب فيه مؤمن ولا يجحده ، ولا يمارى فيه إلا من يهمل عقله ، ويسقط من حساب المفكرين ، فعلى ذلك تواترت الأخبار ، واتفقت الأمصار ، لا فرق بين عدو وولى . وإنه واضح من سياق الأخبار المتواترة أن عجزهم اقترن بثلاثة أمور : أولها - إعجابهم بعلوه عن أن يصل إليه أحد من البشر ، ولم يحاول أحد من عقلاء المشركين أن يسف فيحاول المحاكاة إلا من اتصف بالحماقة فكانت حماقته ضعفين أحدهما في محاولته ، وثانيهما في نتائج هذه المحاولة ، إذ جاء بلغو من القول لا يحتسب في عداد الكلام ، فضلا عن أن يناهد أبلغ كلام أنزله اللّه تعالى في البشر .

--> ( 1 ) توفى سنة 158 ه .